أنا آلاء، دعوني أصف لكم نفسي كما كنت قبل عامين...
كنت فتاة مرحة لا تخشى شيئًا، وكانت أكبر همومي محصورة في دراستي وعلاقاتي الاجتماعية. كنت نشيطة اجتماعيًا، أتفاعل مع عائلتي ومجتمعي الجامعي، وأشارك في أنشطة المنظمات الخيرية. كنت أجد المتعة في مواجهة التحديات الجديدة، وأعشق التعلم في مختلف المجالات، مستغلة كل فرصة لتطوير ذاتي. أحببت الحياة بكل تفاصيلها، وكنت راضية تمامًا عن المرحلة التي وصلت إليها قبل أن تقلب الحرب كل شيء.
بدأت الأحداث قبل عامين وعمري ١٩ عام،
أنا الآن في الحادية والعشرين من عمري، ولم أعد تلك الفتاة التي وصفتها لكم. كانت آلاء القديمة، قبل عامين وقبل أن تندلع الحرب، مختلفة تمامًا. لكن الحرب جاءت، وقلبت كل شيء.
ما هي الحرب؟ وما معناها؟ لا أملك إجابة واضحة، لكنها بالنسبة لي مزيج من التجارب القاسية والصدمة العميقة. بدءا من الخامس عشر من أبريل 2023 , ذلك الوقت الذي تركت فيه جزءا مني باقيا في الخرطوم ما قبل النزاع، جزئي الضائع الذي ما حاولت جاهدة أن يعود لي ولكنه أبى. كان صباح ذلك اليوم مشؤومًا، ولم أكن أتخيل أنه سيستمر طويلًا. كنت في المنزل، استيقظت على أصوات غريبة وضجيج التلفاز الذي ينقل الأخبار بصوت مرتفع، بينما أمي تمسك هاتفها، تطمئن على أهلنا. سألتها بقلق: "ما الذي يحدث؟" فأجابتني: "انقلاب عسكري."ما العمل؟ :"يومين بس والدنيا ترجع زي ما كانت"..بعد نقاش مطول، اختار والدي البقاء ليحمي حقه ويدافع عن البيت الذي قضى عمره في الغربة ليبنيه، أو على الأقل هذا ما اعتقدته حينها...اتضح لي لاحقا أنه يخاف من كرامة له قد تهان إذا ما تخلى عنه ولجأ لأهله الذين ما انفك عن اعالتهم وحتى آخر اللحظات.. أولئك الذين لم يحضروا بتاتا في أيامنا الصعبة قبل الحرب إذا فما الحال في أصعبها..أيا كان عشنا أيام الحرب بكل تفاصيلها، أنا وأخي وأختي، وأمي وأبي. كانت أيامًا مليئة بصوت الرصاص والدخان المتصاعد،
واجهنا كل ذلك وسط انقطاع مستمر للتيار الكهربائي، وصعوبة الحصول على الطعام، وأحيانًا غياب الماء لعشرات الأيام. ورغم كل ذلك، كان الوضع قابلاً للتحمل.
ما زلت أتذكر كيف ازداد ارتباطي بعائلتي قوة خلال تلك الأيام. لعبنا وضحكنا معًا، واكتشفنا جميع أشكال الفنون، مما جعلنا أقرب لبعضنا رغم قسوة الظروف.
أخرجنا ألواننا وأقلامنا كتبنا وغنينا، أخرجنا كتبنا المركونة وقرأنا الدين والقصص الروائية قرأنا القرآن والشعر يومياً في كل صباح،
لكن أصعب ما مررنا به كان حلول الليل بظلامه الحالك،حين يبدأ نبيح الكلاب السكارى (عساكر الدعم السريع) فهم ليسوا إلا أنجاس أقوام، كانوا يملأون الأجواء بغنائهم المزعج، ملوثين آذاننا، وتبدأ عملياتهم بالاقتحام والتخريب
كنت أفقد كل شعور بالراحة وأغرق في القلق والهم خاصة عندما كانوا يقتحمون بيتنا وأغرق بالخوف ليلا حين يهدد والدي بالقتل إذا ما لم يسلمهم مفاتيح السيارة ولاحقاً سرقوها عنوة في وضح النهار تحت تهديد السلاح، ليتركوا خلفهم خوفًا لم يفارقنا.……. كان هذا قرار آل البيت كلهم، كان عزاؤنا الوحيد ببقائها جنبا لجنب، كانت كل محاولة استخرنا الله فيها للخروج من أرض النزاع غير موفقة .
بعد 8 أشهر من انعدام الحرية، من حرماني من مساس أشعة الشمس لخدّيّ، ولم أستطع حتى الخروج إلى باحات المنزل لعدم توفر الأمان. كيف يكون هناك أمان وهؤلاء الأشرار على بعد حائط واحد منا؟ فقد اتخذوا منزل جارنا موقعًا لهم منذ الشهر الثاني لاندلاع الحرب. أي دكتاتورية تلك التي تُمارَس من داخل البيوت؟
بعد استعداد نفسي كبير، واستخارات متكررة، ومشاورات مع أهلي، ودعم لا يُقدّر بثمن من والدتي ووالدي، قررت العمل في المركز الصحي القريب منّا. كان هدفي مساعدة أهل حيّنا المستضعفين بما أملك من علم كطالبة طب، وتقديم العون لمن لا معين لهم في أزماتهم الصحية. من خلال مبادرة "كلنا عافية"، ومع أبناء الحي، خاطرنا بحياتنا لنحفظ الأرواح.
خاطرت بنفسي كفتاة وبأحلامي التي قد أفقدها في طرفة عين إذا ما انتهت أنفاسي بنهاية مريرة كنهاية كثير لاصوت لهم يسمع، ولغيري وشددت أزري استجمعت قواي ومضيت بكل ما في داخلي من خوف وارتباك وتردد. كنت أخرج كل صباح وأعود عصرًا على مدار خمسة أشهر، وفي كل مرة كنت أُستوقف من أحدهم، موقنة أن حياتي قد تتغير في لحظة، لكن لم يزدني ذلك إلا اصراراً على المضي و الاستمرار….
واجهت الكثير من التحديات، حتى من أولئك الذين خرجت لمساعدتهم. تعرضت لتقليل احترام، وكلمات طالت أهلي بهدف تحطيمي والنيل مني، والتقليل من شأني بسبب صغر سني مقارنة بقدراتي وما قدمته. لكن لا بأس، فقد كان كل ما فعلته كله لوجه الكريم تعالى.
مع بداية عام 2024، استمرت الكلية بالدراسة عن بعد وهنا كانت معاناة من نوع آخر مع انعدام شبكات الإتصال والإنترنت، لم أتمكن من متابعة المنهج حتى جاء يوم تحديد الامتحانات. حينها كان عليّ اتخاذ القرار الأصعب: التخلي عن أهلي وبيتي، عن ذكرياتي وحبي، وعن ذلك البيت العزيز جدًا على قلبي.، وخرجت لوحدي في صباح بارد الحق بمستقبلي ,كيف وأنا لا أقوى على الإستقلال، كيف اتركهم؟ من سيستمع لي، يوجهني، ويفخر بأصغر إنجازاتي؟ من سيخاف عليّ حتى من النسمة؟ لم أكن مستعدة لهذا الوداع، لكن في ظرف يومين وجدت نفسي أترك نصفي الثاني في الخرطوم، وأغادر بما تبقى من روحي المُنهكة، ضحية لمعاناة لا ذنب لي فيها.خرجت وعانيت، ولم يكن للمعاناة نهاية، أمضيت ليالي طويلة غارقة في البكاء، أبلل وسادتي بالدموع، وأحمل في صدري غصة ثقيلة لا أملك القدرة على التعبير عنها أو التخلص منها. كنت عاجزة، مغلوبة على أمري، لكنني صمدت وتحملت كل ذلك من أجل مستقبلي ومن أجلهم. ومع ذلك، تتجدد معاناتي كل صباح مع استمرار هذه الحرب اللعينة التي تسرق أحلامنا و تمحو ملامح حياتنا.
oMzNcBZnQBDHnrCmaZRkadw
ow52eg