البيت... قبل أن ينكسر
من العودة إلى الوطن إلى لحظة الانكسار: تأملات شخصية
بقلم: خزيمة بشير جابر
ديسمبر 2025
قبل الحرب، عدتُ إلى السودان بعد سنواتٍ قضيتها خارج البلاد. لم تكن مجرد رحلة عودة، بل كانت تحقيقًا لحلمٍ حملته في داخلي لسنوات طويلة. تركتُ الحياة التي بنيتها في بلدٍ آخر لأنني كنت أؤمن أن مستقبلي الحقيقي يبدأ هنا، في السودان. كان قلبي ممتلئًا بالأمل والحماس والإحساس بأن كل شيء أخيرًا يسير في الاتجاه الذي لطالما تمنيت أن أسير فيه
كانت العودة تعني بالنسبة لي لقاء الأهل والأصدقاء، والتعرّف إلى وجوه جديدة سرعان ما شعرت بأنها جزء من حياتي. انغمست في التحضيرات لزفاف ابنة عمي، وشاركت في كل تفاصيله وكأنه زفافي أنا. لم يكن الاحتفال فخمًا، لكنه كان مليئًا بالدفء والجمال. أُضيئت الأنوار، واجتمع الأهل والجيران، رجالًا ونساءً وأطفالًا، يرددون الأغاني الشعبية، ويصفقون، وتتعالى الزغاريد، بينما يملأ الضحك المكان حتى ساعات الليل
كان عبق البخور يملأ الأجواء، ونقشت الحناء على أيدينا، وتناوب الجميع على تقديم أكواب الشاي مع الكعك السوداني والبسكويت والحلوى. وبين تلك الطقوس التي توارثناها جيلًا بعد جيل، وأنا أراقب الاحتفاء بالعروس، شعرت بشيء كنت قد افتقدته طوال سنوات الغربة: شعرت أنني أنتمي إلى هذا المكان. في تلك اللحظات، كنت متصالحة مع نفسي، راسخة في هويتي، وفخورة بانتمائي للسودان. واليوم، حلّت أصوات الحرب محل تلك الأغاني والضحكات.
لم تكن عودتي إلى السودان من أجل العائلة وحدها، بل كانت أيضًا من أجل المستقبل الذي أردت أن أبنيه هنا. تزامنت زيارتي مع أسبوع ريادة الأعمال، وكنت أعلم أن عليّ أن أكون جزءًا منه. كان أحد أهم أسباب عودتي هو رغبتي في تأسيس منظمة محلية غير ربحية تُعنى بدعم النساء السودانيات. عدت وأنا أحمل أفكارًا واضحة، وخططًا عملية، ورؤية لمستقبل مهني أردته أن يكون في خدمة بلدي، لا بعيدًا عنه
بدأت بالتواصل مع عدد من المنظمات، أبحث عن شراكات ودعم لتحويل تلك الأفكار إلى واقع. وللمرة الأولى، شعرت أن أحلامي المهنية يمكن أن تتحقق وأنا في وطني
وخلال تلك الفترة، التقيت بشابات وشباب استثنائيين، امتلأت قلوبهم بالإيمان بقدرة السودان على النهوض من جديد. كنا نتبادل الأفكار، ونناقش المبادرات، ونتشارك الطموحات، ونتبادل أرقام التواصل على أمل أن نواصل العمل معًا. كنت أشعر أنني وسط مجتمع يؤمن، كما أؤمن أنا، بأن مستقبل السودان يمكن أن يصنعه أبناؤه وبناته
ثم اندلعت الحرب
وخلال أيام قليلة، انهار كل ما كنت أبنيه. تبخرت الخطط التي رسمتها، وتوقفت الشراكات التي بدأت تتشكل، وأصبح المستقبل الذي تخيلته بعيد المنال. تحولت أحاديثنا عن المبادرات والفرص إلى أحاديث عن النزوح والنجاة والفقد
تفرّق أولئك الأشخاص الذين ألهموني في بلدان لم نتخيل يومًا أننا سنلجأ إليها. المجتمع الذي بدا متماسكًا ومفعمًا بالحياة تشتت بين ليلة وضحاها
أما عائلتي، فلم تكن بمنأى عن ذلك. لجأ بعض أعمامي وأبناء عمومتي إلى مصر، بينما استقر آخرون في المملكة العربية السعودية، في حين بقي بعضهم في القرية، متمسكين بما تبقى لهم من حياة واستقرار
لم تُعطّل الحرب مساري المهني فحسب، بل غيّرت علاقتي بفكرة الوطن نفسها. عدت إلى السودان وأنا أظن أنني سأبني مستقبلي فيه، فإذا بي أجد نفسي، مثل ملايين السودانيين، أحمل معي الغربة والأسئلة الثقيلة، وأبحث عن معنى جديد للانتماء
لم تسلبنا الحرب الفرص وحدها، بل سرقت الوقت، وفرّقت العائلات، وأوقفت أحلامًا كانت قد بدأت لتوها. ومع ذلك، لا يزال بداخلي إصرار هادئ على أن أتذكر المرأة التي عادت إلى وطنها وهي مملوءة بالأمل، وأن أؤمن بأن تلك الأحلام، مهما طال صمتها، ستجد يومًا طريقها إلى الحياة من جديد
farme9